أحمد بن محمود السيواسي

78

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

فعلى والباء يتعلقان بأفعل أو هما مع مجرورهما للبيان لا للصلة ، لأن « عِتِيًّا » و « صِلِيًّا » مصدران لا يتقدم صلتهما عليهما ، فكأنه قيل على من عتيا فقيل عتيا على الرحمن وبأي مكان صليا فقيل صليا بالنار ، قيل : هم القادة في الكفر وساداتهم « 1 » ، يعني يبدأ بهم من طوائف الغي والفساد فيقدم أعصاهم فأعصاهم وأولاهم بالعذاب فأولاهم به على قدر ذنوبهم فيطرحون في النار على الترتيب ، ودركاتهم أسفل وعذابهم أشد . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 71 ] وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) ثم خاطب الناس جميعا بقوله ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ) أي ما منكم أحد إلا وارد النار ، قال ابن عباس : « لما نزلت هذه الآية حزن لها الناس حزنا شديدا فأنشأوا يبكون فمكثوا عليه ثلاثة أيام » « 2 » ، وقيل : سنتين « 3 » ، ثم نزل آية التنجية ففرح المسلمون بها ، قال جابر سمعت رسول اللّه يقول : « الورود الدخول لكنها يكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ، وعلى الكافر نارا » « 4 » ، روي : « أن أهل الجنة يقولون : ألم يعدنا ربنا أن نرد النار ؟ فيقال : بلى ولكنكم مررتم بها وهي خادمة » « 5 » ، وقيل : الورود الحضور « 6 » ، والهاء للقيمة أو للنار ، قال ابن عباس : « قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كما يقال وردت القافلة البلد وإن لم تذخله ولكن قربت منه » « 7 » ، وقيل : هو الجواز على الصراط ، لأن الصراط ممدود عليها « 8 » ، وقيل : « المراد من الآية الكفار » « 9 » ، فالمعنى بين ولو كانت الآية عامة فيشكل بقوله أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ « 10 » ، فأجيب عنه بأن المراد عن عذابها ويدل على كون المراد منه الدخول العام آية الإنجاء في قوله ( كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً ) مصدر بمعنى الإيجاب ، ثم سمي به الموجب ، أي كان ورودهم فيها من البر والفاجر واجبا على اللّه بايجابه ( مَقْضِيًّا ) [ 71 ] قضي به ، يعني حكم أن لا يكون غيره . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 72 ] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 ) ( ثُمَّ نُنَجِّي ) بالتخفيف والتشديد « 11 » ( الَّذِينَ اتَّقَوْا ) من الشرك ، أي نخرج المتقين منها ( وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ ) أي نترك المشركين ( فِيها جِثِيًّا ) [ 72 ] على الركب حيث قال « وَنَذَرُ » ولم يقل وندخل ، وقيل : معنى « ثُمَّ نُنَجِّي » نسوق المتقين بعد ورود الكفار فيها إلى الجنة لا أنهم يواردونهم ثم يتخلصون « 12 » . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 73 إلى 74 ] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) ( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ) أي موضحات للأحكام من الحلال والحرام أو مرتلات الألفاظ مبينات المعاني أو حججا وبراهين وهو حال مؤكدة ، لأن الآيات لا تكون إلا واضحة وحجحا ( قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أهل مكة كنضر بن الحارث وأصحابه لاختصاص علمهم بظاهر الحياة الدنيا جهلا ( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي لأصحاب رسول اللّه عليه السّلام ( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً ) بضم الميم وفتحها « 13 » ، أي أهل أي دينين خير منزلا ( وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) [ 73 ] أي مجلسا يجتمع فيه للمشاورة وذلك بأنهم لبسوا الثياب وادهنوا الرؤوس وتطيبوا بالطيب وجاؤوا مفتخرين بالزين الفاخرة من الثياب ، فقالوا ذلك احتقارا بالمؤمنين وقصدهم بذلك أن يصرفوهم عن

--> ( 1 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 330 . ( 2 ) انظر السمرقندي ، 2 / 331 . ( 3 ) قد أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 331 . ( 4 ) أخرجه أحمد بن حنبل ، 3 / 329 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 18 . ( 5 ) عن خالد بن معدان ، انظر السمرقندي ، 2 / 330 ؛ والبغوي ، 3 / 633 . ( 6 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 632 . ( 7 ) انظر الكشاف ، 4 / 18 . ( 8 ) قد أخذه المؤلف عن الكشاف ، 4 / 18 . ( 9 ) عن عكرمة ، انظر البغوي ، 3 / 632 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 18 . ( 10 ) الأنبياء ( 21 ) ، 101 . ( 11 ) « ننجي » : قرأ الكسائي ويعقوب باسكان النون الثانية وتخفيف الجيم وغيرهما بفتح النون وتشديد الجيم . البدور الزاهرة ، 220 . ( 12 ) نقله عن الكشاف ، 4 / 18 . ( 13 ) « مقاما » : ضم الميم الأولى ابن كثير وفتحها غيره . البدور الزاهرة ، 200 .